بين العقيدة والبقاء: الحرب بين إيران وإسرائيل
عمل صحفي لـ: زكية لاغة وندى لينوبلي
ليست الحرب
بين إيران وإسرائيل مجرد صراع سياسي أو عسكري تقليدي، بل هي مواجهة تتشابك فيها
العقيدة الدينية مع الحسابات الاستراتيجية. ففي هذا الصراع تختلط الرموز الدينية
بالخطاب السياسي، ويتحوّل الدين إلى عنصر تعبئة، بينما تتحرك السياسة بمنطق البقاء
والنفوذ. لذلك يمكن فهم هذه المواجهة باعتبارها حربًا ذات بعدين متداخلين: بعد
ديني تاريخي وبعد استراتيجي يقوم على فكرة البقاء.
الجذور الدينية… تاريخ يصنع الحاضر
لفهم طبيعة
هذا الصراع، لا بد من العودة إلى الخلفية الدينية التي تشكل جزءًا من هوية
الطرفين. تقوم دولة إسرائيل في جزء من خطابها التاريخي والرمزي على إرث الديانة
اليهودية، وهي ديانة توحيدية قديمة تشكّلت تعاليمها الأساسية في نصوص التوراة. هذه
النصوص لا تمثل مجرد تعاليم دينية، بل ترتبط أيضًا بسردية تاريخية حول "الأرض
الموعودة"، وهي فكرة لعبت دورًا مهمًا في تشكيل الوعي القومي اليهودي عبر
القرون. هذا البعد الديني لا يظل مجرد خلفية ثقافية، بل يظهر أحيانًا في الخطاب
العسكري والسياسي نفسه. فخلال العمليات العسكرية الأخيرة ضد إيران استخدمت إسرائيل
رموزًا دينية في تسمية عملياتها العسكرية، مثل تسمية إحدى العمليات "زئير الأسد"، في إشارة إلى رمز ديني
مرتبط بأحد الأسباط اليهودية. كما أطلقت تسمية "سِفر التكوين"
على بعض الأسراب العسكرية، وهو اسم أول أسفار التوراة، في محاولة لإضفاء معنى ديني
وتاريخي على العملية العسكرية.
في المقابل،
تمثل إيران نموذجًا مختلفًا حيث يتداخل الدين بشكل مباشر مع النظام السياسي. فمنذ
الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 بقيادة روح الله الخميني، أصبح المذهب الشيعي
الاثنا عشري جزءًا من بنية الدولة نفسها من خلال مفهوم "ولاية الفقيه"،
الذي يمنح القيادة الدينية دورًا في توجيه السياسة.
وهنا يبدأ
الرابط بين التاريخ الديني والصراع السياسي في الظهور. فبينما ترى بعض الخطابات في
إسرائيل أن وجود الدولة امتداد لتاريخ ديني طويل، تنظر إيران إلى نفسها كحاملة
لمشروع سياسي-ديني في المنطقة، ما يجعل المواجهة تتجاوز حدود السياسة البحتة.
وبذلك يصبح الدين عنصرًا فاعلًا في تشكيل التصورات المتبادلة بين الطرفين؛ فكل طرف
ينظر إلى الآخر ليس فقط كخصم سياسي، بل أيضًا كجزء من صراع أوسع يتعلق بالهوية
والشرعية التاريخية.
بطاقة تفسيرية مولّدة بالذّكاء الاصطناعي
حرب بقاء بين العقيدة والسياسة
لكن رغم هذا
البعد الديني، فإن الصراع بين إيران وإسرائيل لا يمكن تفسيره بالدين وحده. فالدين
هنا غالبًا ما يتحول إلى لغة سياسية تُستخدم لتبرير مواقف استراتيجية
أعمق.فإسرائيل تنظر إلى التوسع الإقليمي لإيران وبرنامجها العسكري يعتبر تهديدًا
مباشرًا لأمنها القومي. لذلك تُقدَّم المواجهة في الخطاب الإسرائيلي أحيانًا على
أنها حرب بقاء تهدف إلى حماية الدولة من خطر وجودي محتمل.
في المقابل،
ترى إيران أن الصراع مع إسرائيل مرتبط بدورها الإقليمي وبموقفها من قضايا الشرق
الأوسط، خاصة القضية الفلسطينية. وهنا يبرز التداخل الواضح بين الدين والسياسة:
فالدين يمنح الصراع بعدًا رمزيًا وأخلاقيًا، بينما تعمل السياسة وفق منطق القوة
والنفوذ.
كما أن هذا
الصراع لا يجري دائمًا في شكل حرب مباشرة، بل يظهر في ما يسمى بحروب الظل، من خلال التنافس العسكري
غير المباشر والتحالفات الإقليمية. وفي هذا السياق تصبح العقيدة وسيلة لتعبئة
الحلفاء وتبرير التدخلات، بينما يبقى الهدف الأساسي هو الحفاظ على النفوذ والتوازن
الاستراتيجي في المنطقة. وبذلك تتحول المواجهة إلى صراع تتداخل فيه العقيدة مع
الاستراتيجية.

Commentaires
Enregistrer un commentaire