انعكاسات الحرب الأمريكية – الإيرانية الاقتصادية على العالم : أزمات أسواق النفط و الغاز
مع تصاعد الحرب على إيران واتساع نطاقها في المنطقة
العربية، وتراجع احتمالات التهدئة في الوقت الراهن، بدأت انعكاسات توقف إنتاج
وتوزيع نسبة كبيرة من النفط والغاز الخليجي، تلقي بظلال قاتمة على استقرار أسواق
الطاقة والتجارة العالمية. وأصبحت اقتصاديات دول العالم، الثرية منها والفقيرة،
عرضة لاضطرابات قادمة، ما لم تتوقف الحرب ويعود الاستقرار إلى منطقة الخليج، أحد
أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط والغاز في العالم.
ارتفاع أسعار
النفط والغاز في أوروبا واسيا
سوق المحروقات في أزمة ... مضيق هرمز في قلب المعادلة
تعد إيران لاعبا محوريا في سوق الطاقة العالمي، وأي
اضطراب في إنتاجها أو تصديرها ينعكس فورا على الأسعار. ومع إعلان الحرس الثوري
إغلاق مضيق هرمز بشكل رسمي وتوقف حركة الملاح عبره بنسبة تتجاوز 90%، قفزت أسعار النفط، خصوصا نفط
برنت، مما أدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج
الصناعي عالميا، ارتفاع أسعار النقل والشحن وتضخم أسعار الغذاء نتيجة ارتفاع
تكاليف الطاقة.
ويمثل مضيق هرمز جوهر القلق العالمي ذلك، لأنه المعبر
البحري الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، ما يجعله
شريانا حيويا للاقتصاد الدولي.
لذلك فإن إغلاقه لم يؤثر فقط على الإمدادات النفطية بل عطل أيضا سلاسل التوريد
العالمية مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير حيث تجاوز سعر البرميل 100
دولارا.
من جهة أخرى،
أعلنت كل من قطر للطاقة ومؤسسة
البترول الكويتية حالة "القوة القاهرة" ووقف
إنتاج الغاز وبعض المنتجات ذات الصلة بعد هجمات استهدفت منشاتها.
أما في أوروبا، فقد قفزت عقود الغاز بنسبة 29% في حين
ارتفعت أسعار الغاز في اسيا بنحو 65%.
كما انعكست
هذه المخاوف سريعا على مؤشرات البورصات العالمية، التي سجل عدد منها تراجعات
ملحوظة، خاصة في القطاعات الصناعية والنقل، باعتبارها الأكثر تأثرا بارتفاع كلفة
الطاقة. في المقابل، ارتفعت أسعار الذهب باعتباره ملاذا آمنا في أوقات الاضطراب.
الموقع الجغرافي
لمضيق هرمز
أسعار الغذاء العالمية ترتفع بسبب الحرب
قالت منظمة الأغذية
والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت في مارس
بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
وبلغ متوسط
مؤشر المنظمة لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات
في سلة من السلع الغذائية المتداولة
عالميا، 128.5 نقطة في مارس، بارتفاع
2.4 بالمئة عن مستواه المعدل لفيفري.
وقال ماكسيمو توريرو كبير الاقتصاديين في الفاو في
بيان إن "كانت ارتفاعات الأسعار منذ
بدء الصراع كانت معتدلة، مدفوعة بشكل رئيسي بارتفاع أسعار النفط وخففت من وطأتها
وفرة الإمدادات العالمية من
حبوب.
لكنه
أضاف أنه إذا استمر الصراع لأكثر من 40 يوما، فقد يقلل المزارعون من المدخلات أو
يقلصون المساحات المزروعة أو يغيرون نوع
المحاصيل مما يؤدي إلى انخفاض المحاصيل في المستقبل ويؤثر على إمدادات الغذاء
والأسعار خلال الفترة المتبقية من هذا العام
والعام المقبل.
إن المسألة لا تتوقف عند حدود الأسعار. فإذا طال أمد
الحرب، فإن التأثيرات قد تتخذ طابعا أعمق وأكثر تعقيدا. خاصة أن أوروبا، التي لم
تخرج بعد كليا من أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، وبالتالي قد
تجد نفسها أمام موجة جديدة من ارتفاع أسعار الغاز والنفط، خصوصا إذا تعرقلت
إمدادات الخليج. ورغم محاولات تنويع مصادر الطاقة وتعزيز المخزونات، فإن أي صدمة
إضافية قد تعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة وتضع البنوك المركزية أمام خيارات
صعبة بين دعم النمو أو كبح الأسعار.
أما الاقتصادات الصناعية الكبرى في آسيا وأوروبا،
والتي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، فإن استمرار ارتفاع الأسعار سيؤدي إلى
زيادة كلفة الإنتاج وتراجع هوامش أرباح الشركات، ما قد ينعكس في تباطؤ اقتصادي أو
حتى ركود في بعض الدول. فكل ارتفاع في سعر النفط يترجم مباشرة إلى ارتفاع في كلفة
النقل والتصنيع والخدمات وهو ما يتسرب تدريجيا إلى المستهلك النهائي. من ذلك، أعلنت شركة النقل الدنماركية "ميرسك" عن توقف
أنشطتها مما زاد من تعقيد حركة التجارة العالمية.
أما الدول النامية فتبدو الحلقة الأضعف في هذا المشهد.
إذ أن هذه الاقتصادات، التي تعتمد على الاستيراد لتغطية حاجياتها من الطاقة، قد
تواجه ارتفاعا في فاتورة الدعم وعجزا متزايدا في الميزانيات العمومية. ومع محدودية
الموارد والبدائل، قد تجد نفسها مضطرة إلى تمرير جزء من الزيادة إلى المستهلكين،
ما يفاقم الضغوط الاجتماعية ويعمق هشاشة أوضاعها الاقتصادية.
لوحة أسعار
الوقود في محطة بولاية كاليفور
هل نحن أمام صدمة طاقية جديدة؟
في المحصلة، تكشف هذه الحرب مرة أخرى عن هشاشة
الاقتصاد العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية. فالعالم، رغم الحديث المتزايد عن
الانتقال الطاقي، ما يزال يعتمد بشكل كبير على النفط والغاز لضمان استمرارية نشاطه
الصناعي والتجاري. لذلك، فإن أي تصعيد في منطقة استراتيجية مثل الخليج لا يبقى
حدثا إقليميا محدود الأثر، بل يتحول سريعا إلى اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على
الصمود.
_شاهد الفيديو _

Commentaires
Enregistrer un commentaire