ثلاث عقود من الردع: قراءة في إرث خامنئي
في لحظة استشهاد علي خامنئي،
المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، يبرز السؤال المحوري: هل اندلعت الحرب نتيجة ظرف
آني، أم هي مسار بناه خامنئي بعناية على امتداد ثلاثة عقود؟
منذ توليه المنصب في 1989
خلفاً لآية الله الخميني، رسم خامنئي استراتيجية "الردع" التي حوّلت
إيران إلى قوة إقليمية صلبة، لكنها أيضاً أشعلت فتيل التوترات الداخلية والخارجية.
هذا المسار لم يكن صدفة، بل بناءً عقائدياً وعسكرياً يعكس إرثه
المعقد
من رجل دين إلى رأس النظام
ولد علي خامنئي عام 1939 في
مدينة مشهد الدينية،عاصمة محافظة خراسان رضوي، حمل خلفيات عائلية متنوعة، فهو من
أسرة أذرية تعود أصولها إلى تبريز، مع نسب هاشمي عربي، وجدّه الأبوي عاش في النجف
العراقية، مما عزّز إتقانه اللغات الثلاث: التركية والعربية والفارسية. تنقّل في
دراسته الدينية بين حوزات مشهد وقم، وأقام لمدة سنتَيْن في حوزة النجف، واشتهر
بولعه بالقراءة والأدب والشعر العربي الكلاسيكي. تأثّر برواد الحركة الإسلامية،
خاصة سيد قطب، فترجم إلى الفارسية أعمالاً له مثل "معالم في الطريق"،
دون أن يمنعه ذلك – كما روى في مذكراته – من البكاء بحرقة في زنزانته عند سماعه
بوفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1970
تأثر مبكراً بآية الله روح
الله الخميني، الذي أصبح معلمه الروحي والسياسي، فانضم إليه في معارضة الشاه محمد
رضا بهلوي منذ الستينيات،. برزت شخصيته خلال الثورة الإسلامية عام 1979 كأحد أبرز
التلاميذ، ثم شغل منصب رئيس الجمهورية بين 1981 و1989 رغم إعاقة محاولة اغتيال
خطيرة (1981 في مسجد أبوذر، حيث اصيب باعاقة دائمة في يده اليمنى بعد تفجير جهاز
تسجيل مفخخ) لمسيرته السياسية
قبل إصابته جراء محاولة
الاغتيال، كان خامنئي قد خبِرَ الأسر ست مرات إبّان عهد الشاه محمد رضا
بهلوي،نتيجة نشاطه السياسي الجريء ضد النظام الملكي. حملته انتصارات الثورة
الإسلامية عام 1979 إلى قمة السلطة، فأصبح عضواً في أول مجلس شورى شكّله الإمام
الخميني لإدارة المرحلة الانتقالية. إلى جانب ذلك، ركّز نشاطه الأساسي على تأسيس
حزب «الجمهوري الإسلامي» في فيفري 1979 -التيار الأقرب إلى رؤية الخميني نفسه، بعد
وفاة هذا الأخير في جويلية 1989، اُنتخب سريعا “وليا فقيهاً” لمنصب القيادة خلفاً
للراحل وحمل لقب “رهبر انقلاب إسلامى” (أي «قائد الثورة الإسلامية» بالفارسية)،
وذلك عبر تعديل دستوري جنّبه شرط أن يكون مرجعاً دينياً وهو ما كان يُعدُّ خطوة
استثنائية أثارت جدلاً داخل الحوزات الشيعية، خاصة في قم ونجف، لكنها نجحت في
تعزيز صلاحيات المنصب عبر تعديل الدستور في 1989 ليصبح حُكمهُ مطلقاً على الجيش
والقضاء والإعلام والسياسة الخارجية. كان تعزيز هذه الصلاحيات أول إنجازاته
البارزة، حين حوّل "الولاية الفقيهية" من فكرة خمينية إلى هيكل حكم
مركزي وذلك من خلال تشكـيلـه مع هاشمي رفسنجاني – الذي انتُخب رئيساً للجمهورية
خلفاً له في 1989 – ثنائياً سياسياً مميزاً طبَعَ مرحلة التسعينيات في إيران، قبل
أن يطرأ فراق بين الرجلين لاحقاً. مع هذا الثنائي، عرفت إيران مطلع التسعينيات –
الخارجة لتوّها من الحرب الدامية مع العراق – شعار "البناء"، حيث انصبّ
الجهد على تشييد البنية التحتية في المدن والأرياف، ودعم التصنيع والإنتاج المحلي
وبناء القدرات العسكرية، وتصفير المشاكل الدبلوماسية، وصياغة عقيدة أمن قومي بديلة
لسياسة الحرب، مع تحقيق اندماج نسبي (ولو متوتر) في النظام العالمي. بعبارة أخرى،
جسّدت قيادة خامنئي الانتقال من مرحلة الثورة إلى بناء الدولة. إلا أن ما ميّز
خطّه بين التيارات الإيرانية هو إصراره على عدم الانسلاخ عن الطابع الثوري لهذه
الدولة، فمثّل زعامة تيّار "الدولة الثورية" في التركيبة المتنوعة
للجمهورية الإسلامية، متمسّكاً بإيمانه بأن الثورة فعل متواصل
كانت هذه "الدولة
الثورية"، وشعارها الذي رسَمَهُ خامنئي للسياسة الخارجية – "الحكمة -
العزّة - المصلحة" – الحمّالَ الأساسي لبقاء علاقة دعم وثيقة بحركات المقاومة
في لبنان وفلسطين مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي. بل إن العلاقة مع هذه الحركات
تطوّرت في عهده لتكون في مقاربة توفيقيّة مع عقيدة إيران الأمنية القومية دون
تعارض، وهذا ما انعكس في صلاته بقادة هذه القوى المقاومة في في تسجيلَيْن
نُشِرَا مؤخراً: الأول للقاءاته مع الشهيد الشيخ أحمد ياسين وقيادة حماس، والثاني
مع الشهيد حسن نصر الله و قادة حزب الله
علاقة الخامنئي بالمؤسسة العسكرية، وخاصة الحرس الثوري الذي أسسه الخميني عام 1979، تطورت إلى شراكة عضوية عميقة جعل خلالها الحرس "ذراعه اليمنى" الاقتصادية والعسكرية، بعد أن وجّه ميزانيته لتطوير الصواريخ والوكلاء الإقليميين في مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية.وعلى المستويين الديني والعقائدي، يمثل خامنئي “الولي الفيه الثاني” لملايين الإيرانيين ، رمزاً لاستمرارية الثورة و"تصديرها"، إلا أنه أثار انقسامات حادة بين التقليديين الذين يرونه حارساً للشريعة، والمصلحين مثل خاتمي الذين اتهموه بـالاستبداد وتقويض أسس الديمقراطية في الجمهورية الاسلاميّة، مما شكّل الأساس الأيديولوجي لمساره نحو عقيدة "الردع" الاستراتيجي
.الحـــرب ذروة مـــسار الـــردع
وصفه الرئيس الأمريكي الحالي
دونالد ترامب بأنه " الرجل الأكثر شراَ في التاريخ "، اذ أنّ
الخامنئي قد مزج في أسلوبه للقيادة بين الصرامة الإيديولوجية والنهج العملي
الاستراتيجي. فيما بدا تشككا كبيرا في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة، التي لطالما
اتهمها بالسعي إلى تغيير النظام في إيران.
بنى علي خامنئي عقيدة "الصبر الاستراتيجي" (أو "الانتظار الاستراتيجي" كما صاغها في خطاباته الشهيرة مثل خطاب عيد الفطر سنة 2010 الذي شدد فيه على "الصمود حتى ينهار العدو") كرد فعل مباشر على العقوبات الغربية المتتالية بعد حرب الخليج الأولى (1980-1988)، التي خلّفت دماراً هائلا في البنية الاقتصادية والجسم العسكري الايراني، مرتكزاً على البرنامج النووي الذي أطلقه سراً في أوائل التسعينيات تحت غطاء "الاستخدامات السلمية" لتوليد الكهرباء و الخدمات الطبية وجعل منه رمزاً للاستقلال الوطني والتفوق التكنولوجي ، وبالفعل وصلت طهران إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% بحلول 2023 في منشآت مثل نطنز وفوردو، محققة قدرات متقدمة رغم الضغوط الدولية، مما عزّز الثقة الوطنية التي جعلت من الخامنئي ورقة رابحة في الحرب النفسية
عقيدة الردع مثلاً رسّخها خامنئي من خلال تمكين الحرس الثوري الايراني، فقد حوّلهُ من قوة عسكرية (60 ألف مقاتل عام 1989) إلى إمبراطورية اقتصادية تسيطر على 40-60% من الاقتصاد الإيراني عبر هيئات مثل "قطب" التي تدير مشاريع نفطية و مشاريع تهيئة بنية تحتية و"خاتم الأنبياء" التي تفوز بعقود إنشائية عملاقة (إيرادات الحرس الثوري الايراني تصل إلى 12 مليار دولار سنوياً حسب تقارير معهد واشنطن) مما سمح بتمويل الدفاع دون الاعتماد الكلي على الدولة، خاصة وأنّ الخامنئي يفتقر إلى مؤهلات الخميني الدينية، بالتالي مرارا إلى الهيكل الأمني المعقد في البلاد المؤلف من الحرس الثوري المتشدد وقوة الباسيج شبه عسكرية الدينية التي تضم مئات الآلاف من المتطوعين، لإخماد أي معارضة.
هذا بالإضافة إلى تجذير دوره الدفاعي العسكري في قيادة شبكات محور المقاومة مما أنشأ حزاماً دفاعياً لايران، حيث دعم حزب الله في لبنان سياسياً ولوجيستياً بحوالي أكثر من 100 ألف صاروخ،و نظام بشار الأسد في سوريا عبر قوات فاطميون وزينبيون منذ بداية الحرب على سوريا في 2011، والحشد الشعبي في العراق، مما بنى سوراً للجمهورية الاسلامية يمتد إلى البحر المتوسط يحمي حدودها من التهديدات المباشرة، كما يصفها خامنئي في فتاواه.
واصل خامنئي ترسيخ هذه العقيدة في مواجهة التوترات الغربية، خاصة مع الولايات المتحدة، حيث تصاعد الصدام عبر حوادث دفاعية مثل إسقاط طائرة بدون طيار أمريكية MQ-9 في أفريل 2019 فوق مضيق هرمز، وهجمات الحوثيين على ناقلات نفط في بحر عمان عام 2019، كرد على العقوبات "الاقتصادية الحربية". أما تجاه إسرائيل، فقد حافظ على موقف دفاعي صلب، مواصلاً دعمه لحزب الله خلال حرب 2006 التي أوقفت التقدم الإسرائيلي في بيروت ودحرت القوات العسكرية الى ما بعد قرية الطيبة جنوب لبنان ، ومواصلاً دعمه لحماس في غزة دعماً لوجستياً غير مباشر قبل طوفان الأقصى وبعده ،وبصفته ـ أي الخامنئي ـ صاحب الكلمة الفصل في نظام إيران المعقد القائم على حكم رجال الدين ، سعى منذ فترة طويلة إلى ضمان ألا يكون لأي جماعة، حتى من بين أقرب حلفائه، ما يكفي من النفوذ لتحديه هو أو موقفه الذي كان مناهضا للولايات المتحدة.
أصبحت عبارة "الموت
لأمريكا"، التي كرّرها علي خامنئي بانتظام في خطاباته على مدى عقود، رمزاً
للتوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة، معبرة عن رفض طهران لما وصفه
بـ"الهيمنة الأمريكية" في المنطقة والعالم. استخدم خامنئي هذه الصيغة
لبداية ونهاية معظم كلماته، مشدداً على خطورة النفوذ الأمريكي كما رآه تهديداً
وجودياً، وبالمقابل لم يُرَ خامنئي في واشنطن كمجرّد قائد سياسي أو ديني، بل
تجسيداً للسياسة الإيرانية بأسرها، خاصة موقفه الحازم ضد الولايات المتحدة
وإسرائيل والغرب عموماً، الذي عكس رفضاً لسياسات الهيمنة والضغوط الخارجية. شكّل
هذا النهج استثناءً بين العديد من الأنظمة الإقليمية التي اختارت التعاون مع
واشنطن لتعزيز استقرارها، مما جعله رمزاً للصمود الإيراني السيادي في مواجهة
الإملاءات الدولية.
هكذا، حوّلت عقيدة خامنئي إيران إلى قوة إقليمية متوازنة، تجمع بين الصبر والقوة، وهكذا كانت الحرب كما طرزها الخامنئي ارثاً استراتيجياً بناه بعناية على مدى ثلاثة عقود لا ظرفاً عابراً
الداخل الإيراني تحت حكمه
في الوجدان الإسلامي العام، وخاصة لدى الشيعة، يُنظر إلى استشهاد مرجع ديني
وسياسي بارز مثل علي خامنئي – أثناء مواجهة ما وصفته طهران بـ"العدوان
الخارجي" – على أنه حدث ذو دلالات متعددة في المجالات الدينية والسياسية
والاجتماعية. يُقارَن في الوعي الشيعي بجهاد أسلافه التاريخيين، لا سيما الإمام
الحسين بن علي، حيث يُرى موته خارج الفراش المريض – في سياق مكتبه أثناء عمله كما
أفادت التقارير الرسمية – كرمز للصمود والرفض للاستسلام أمام الضغوط الخارجية.
من المتوقع أن يُحفر هذا الحدث في الذاكرة الجماعية، محولاً أفكاره ورؤاه
إلى "مدرسة فكرية" يستلهم منها الأجيال المستقبلية مساراتها السياسية
والثقافية. على الصعيد الشعبي داخل إيران، أشارت تصريحات مسؤولين مثل الرئيس مسعود
بزشكيان إلى أنه قد يعزز التفاف الشعب حول النظام وقيادته وقواته المسلحة، في ظل
إعلان الحداد العام لـ40 يوماً وتعطيل الدوائر الحكومية لأسبوع.
لكن وجب التنويه أيضا الى أنه، وتحت حكم علي خامنئي البالغ من العمر 87
عاماً عند استشهاده، شهد الداخل الإيراني احتجاجات متتالية هزّت أسس النظام
وزعزعته وعكست تراكم الغضب الشعبي: أولها
"الحركة الخضراء" في جويلية 2009 بعد إعادة انتخاب أحمدي نجاد المشتبه
في صعوده اثر انتخابات يُشكك في نزاهتها، (احتجاجات استمرت 6 أشهر في 80 مدينة،
قُمِعت بـ72 قتيلاً رسمياً وآلاف المعتقلين حسب منظمة العفو الدولية)، ثم احتجاجاتالبنزين في نوفمبر 2019 (اندلعت بعد رفع الدعم الحكومي، أسفرت عن 1500 قتيل و7000
مصاب حسب رويترز، وكانت هذه الاحتجاجات هي
الأكثر دموية)، وأخيراً "ثورة المهسا" في سبتمبر 2022 بعد مقتل الشابة
مهسا أميني (22 عاماً) على يد شرطة الأخلاق بتهمة عدم ارتداء الحجاب حيث امتدت
الاحتجاجات إلى 200 مدينة وشملت شعارات
"مرگ خامنئي" (موت خامنئي) وأسفرت عن 500 قتيل و20 ألف معتقل بحسب هيومن
رايتس ووتش
.
السؤال المحوري يُجَاب: الحرب ليست ظرفاً آنياً، بل نتاج ثلاثة عقود من
بناء ردعي، حيث صمدت إيران أمام عقوبات خانقة، لكن الاستشهاد وما تلاه من احتفلات الايرانيين في المهجر يرسم
نقاط استفهام عديدة حول جدوى تحويل خامنئي ايران الى دولة على حافة الحرب، ليبقى
ارثه في توازن الردع والصمود
عقود من "الردع الاستراتيجي" الذي بناه علي خامنئي نفت فرضية أن الصراع ظرف عابـر، فاستشهاده في 28 فيفري كشف هشاشة القيادة لكنه أشعل "حرب الإشباع" : إطلاق آلاف الصواريخ على إسرائيل والخليج كرد دفاعي يحمي السيادة الايرانية، مدعوماً بمحور المقاومة من لبنان إلى اليمن، مع هجمات الحوثيين على الممرات البحرية وصواريخ حزب الله الدقيقة.
اليوم، بينما يدعو ترامب لإنهاء سريع ويعلن الحرس توسيع العمليات، تتجه
الحرب نحو استنزاف: إيران تعيد تشكيل قوتها في أسابيع، لكن الضغط الاقتصادي
والداخلي قد يحسمها. وهذا ما تركه خامنئي وما رسمه في الأبعاد الجيوسياسية: توازن
دموي يغيّر الشرق الأوسط ويترك إيران صامدة على حافة النصر أو الانهيار في معادلة
لا فائز واضح فيها


Commentaires
Enregistrer un commentaire