صعود صنّاع المحتوى : أيّ أثر لهم على الثقافة الشعبية في تونس والعالم العربي؟

 بقلم : سوار الذوادي

شهد العالم العربي في العقد الأخير تحوّلًا جذريًا في المشهد الإعلامي والثقافي، مع بروز جيل جديد من الشباب الذين صنعوا شهرتهم من خلف شاشات الهواتف المحمولة ومنصّات التواصل الاجتماعي
هؤلاء الذين يُعرفون اليوم بـ"صنّاع المحتوى" أصبحوا فاعلين رئيسيين في تشكيل الذوق العام والتأثير في سلوك الجمهور، ليتحوّلوا من مجرد مستخدمين إلى قادة للرأي وصنّاع لثقافة جديدة تتجاوز الحدود التقليدية للإعلام

في تونس والعالم العربي، لم يعد التلفزيون ولا الصحف المصدر الوحيد للمعلومة أو الترفيه، بل أصبح الإنستغرام والتيك توك واليوتيوب منصات تصنع النجوم وتوجّه المزاج الشعبي

 كيف صعد صنّاع المحتوى؟ من الهواية إلى التأثير : من الهامش إلى الصدارة

نتيجة تحوّلات تقنية واجتماعية عميقة ولد صنّاع المحتوى كمشاهير أثرّوا في فئات مختلفة من المجتمع ، لقد شكّل   

 صعودهم السريع نموذجا صاروخيا للنجاح والتالق إذ ساعد انتشار الإنترنت السريع والهواتف الذكية على جعل الإنتاج الرقمي متاحًا للجميع حيث بإمكان أيّ كان أن ينشر مقطع فيديو قصيرً أو أن يعلّق على حدث ما، أوأن يشارك تجربته الشخصية وأحلامه واخفاقاته ونجاحاته على مواقع التواصل الاجتماعي بغية الوصول إلى جمهور واسع من مستخدمي الانترنات، ضغطة زرّ واحدة كافية لتنقل أحد المستخدمين من موقع النكرة إلى موقع الشهرة والنجاح الجماهيري.

ثم جاء الدور الكبير لخوارزميات المنصّات مثل يوتيوب وتيك توك، التي أصبحت تروّج للمحتوى الذي يُثير التفاعل، بغضّ النظر عن إمكانيات صاحبه

هذا ما جعل الشباب الذين يملكون شخصية قوية وحسًّا ساخرًا أو فكرة مبتكرة بقادرين على كسب آلاف المتابعين في وقت قياسيّ

A person pointing at a pointer in a computer screen

AI-generated content may be incorrect.

كانت البدايات في تونس مع محتوى ساخر واجتماعي يعالج مشاكل الشباب بأسلوب بسيط، مثل مقاطع مؤثرين يتداولون حول مواضيع التنمية البشرية  أو سكيتشات خفيفة تتناول الحياة اليومية، ومع مرور الوقت، تعلّم هؤلاء كيفية التعامل مع التصوير والمونتاج والإعلانات، فصاروا روّادًا في صناعة رقمية جديدة تجمع بين الترفيه والتسويق وتجييش الرأي العام.

أما في العالم العربي، فقد ساعدت الظروف الاقتصادية والسياسية على بروز هذه الظاهرة. فمع فقدان الثقة في الإعلام التقليدي، أصبح الجمهور يبحث عن محتوى أكثر قربًا وصدقًا
هنا برز مؤثّرون مثل أحمد الغندور (الدحيح) الذي جعل من العلم مادة جذّابة، وآسيا عكّاشة التي جمعت بين الجمال والثقافة، ليشكّلوا معًا ملامح مشهد رقمي متنوّع ومؤثّر

منصّات التواصل كمحرّك للتأثير الثقافي

لم تعد وسائل التواصل مجرّد أدوات للتسلية، بل أصبحت فضاءً لصناعة القيم والرموز الجديدة، ففي تونس، أصبحت "الترندات" اليومية على تيك توك مرآة لحياة الشباب وأفكارهم، وأثّرت حتى في اللغة المستعملة في الشارع والإعلانات أما في العالم العربي، فالمؤثرون أصبحوا يروّجون لأنماط لباس معين ولهجات وآراء سياسية أو اجتماعية مما ساهم في توحيد بعض عناصر الثقافة الشعبية عبر الحدود 

من أبرز الأمثلة:

يشهد العالم الرقمي اليوم انتشارًا واسعًا للمقاطع الكوميدية القصيرة التي تتناول مواضيع اجتماعية بلغة بسيطة وقريبة من الناس، بالتوازي مع تأثير لافت لمؤثرات الموضة والجمال التي غيّرت معايير الأناقة والأنوثة. كما نجحت قنوات تعليمية مثل "الدحيح" و"نسيم عياد" في جعل المعرفة أكثر قربًا ومتعة، وهو ما يعكس قدرة المنصّات الرقمية على الجمع بين الترفيه والفائدة في آن واحد.
غير أنّ هذا المشهد المتنوّع يحمل جانبًا آخر؛ إذ ساهمت بعض المنصّات في ترسيخ ثقافة الاستهلاك والمظاهر، حيث أصبح عدد المتابعين معيارًا للنجاح بدلًا من القيمة الفكرية أو الفنية، ما يثير تساؤلات جدّية حول تأثير هذه الظواهر على الذوق العام والمفاهيم الاجتماعية لدى الجمهور

تحوّلات الثقافة الشعبية وجدليات تأثير صُنّاع المحتوى

يشهد العالم العربي، وتونس خاصة، تحولًا عميقًا في الثقافة الشعبية، حيث لم تعد الثقافة تُنتج من أعلى الهرم الإعلامي نحو القاعدة، بل أصبحت تصعد من الشباب أنفسهم الذين لم يعودوا يكتفون باستهلاك الرسائل بل باتوا يشاركون في صنعها بلغتهم وأساليبهم الخاصة؛ فمقاطع السخرية اليومية، ورقصات تيك توك، والمحتوى الاجتماعي أو التوعوي أصبحت أشكالًا جديدة للتعبير الشعبي غيّرت مفهوم الشهرة وجعلتها متاحة لكل من يمتلك الجرأة والقدرة على التواصل، ما أثار نقاشًا واسعًا حول حدود التأثير ومسؤولية صنّاع المحتوى، خاصة  في ما يتعلق بالأخبار المضللة والترويج لقيم استهلاكية سطحية؛ وبين الحرية والمسؤولية يعيش صناع المحتوى جدلية مستمرة: فهم يقدمون صورة إيجابية عن جيل جديد حرّ ومبدع ومنفتح على العالم، لكن تأثيرهم قد يتحوّل أيضًا إلى أداة لتسويق سلوكيات بعيدة عن قيم المجتمع أو تهميش قضاياه الحقيقية، خصوصًا بعد بروز نماذج أثارت جدلًا بسبب تجاوزات أخلاقية أو استغلال قضايا اجتماعية من أجل نسب المشاهدة؛ ومع ذلك، يظهر في المقابل محتوى إيجابي يعزّز قيم العمل والريادة والوعي البيئي، ما يعكس تنوع المشهد الرقمي واستحالة اختزاله في نمط واحد؛ ويبقى السؤال الجوهري: هل يمثّل ما يقدّمه صنّاع المحتوى ثقافة حقيقية تعبّر عن المجتمع أم مجرّد صناعة ترفيهية تُكرّس الاستهلاك؟

فبينما أصبحت الشهرة هدفًا قائمًا بذاته يُقاس بعدد المتابعين، لا يمكن إنكار أن هذا الجيل من المؤثرين كسر احتكار الإعلام التقليدي وفتح المجال أمام أصوات أقرب للناس وأصدق في التعبير عن همومهم آفاق المستقبل

يعيش اليوم العالم العربي تحوّلًا ثقافيًا يقوده شباب المنصّات الرقمية
فمن جهة، أتاح لهم العالم الافتراضي حرية التعبير والابتكار، ومن جهة أخرى، فرض عليهم تحديات أخلاقية تتعلق بالمصداقية والمسؤولية تجاه الجمهور
ورغم التناقضات، يبقى صعود صنّاع المحتوى علامة على ولادة ثقافة جديدة، تتجاوز الحدود الجغرافية والإيديولوجية، وتعكس صورة مجتمع عربي يبحث عن صوته وسط زحمة الشاشات

وفي النهاية، يظلّ السؤال مفتوحًا
هل سينجح صنّاع المحتوى في ترسيخ ثقافة عربية نقدية وإبداعية، أم سيغرقون أكثر في ثقافة الاستهلاك والمظاهر؟
الجواب سيتضح مع الجيل القادم من المؤثرين… ومع وعي الجمهور الذي يتابعهم.

لقد أصبح صعود صنّاع المحتوى علامة فارقة في التحوّل الثقافي والإعلامي الذي يشهده العالم العربي
فمن خلال المنصّات الرقمية، كسر الشباب احتكار الإعلام التقليدي وخلقوا فضاءً جديدًا للحرية والتعبير

ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا
هل سيقود هذا الصعود إلى ثقافة عربية نقدية متجددة تعبّر بصدق عن هموم المجتمع؟
أم أنه سيتحوّل إلى مجرّد سوق افتراضي تحكمه الشهرة والإعلانات؟

الجواب سيتحدّد بمدى وعي الجيل القادم من صنّاع المحتوى… وبمدى قدرة الجمهور على التمييز بين التأثير الحقيقي والتأثير المصطنع

 شاهد الفيديو  

 


 

 

 

 

 

 


Commentaires