الحرب الروسية الأوكرانية: حين يصبح شحن الهاتف الجوّال مسألة حياة أو موت

أشخاص يشحنون هواتفهم في إحدى الخيام المدفأة، التي تُعرف بـ "نقاط الصمود"، في مدينة تشيرنيهيف، 21 أكتوبر 2025 - صورة من أسوشيتد برس (AP)
----------عبد الحكيم بن يحي-----------
في زمن الحرب، قد لا يكون أخطر ما
يواجهه الإنسان صوت الانفجار أو انقطاع الكهرباء، بل تلك اللحظة التي ينظر فيها
إلى شاشة هاتفه ليجد البطارية توشك على النفاد، بينما ينتظر رسالة تطمئنه على أحد
أحبّائه. في أوكرانيا، حيث تتعرض البنية التحتية للطاقة لهجمات متكررة منذ الغزو
الروسي الشامل في فبراير 2022، لم يعد شحن الهاتف مجرد عادة يومية، بل أصبح جزءًا
من الاستعداد لمواجهة الخطر.
قد تبدو النسبة المتبقية من
البطارية تفصيلًا صغيرًا في الحياة اليومية، لكنها في ظروف الحرب قد تعني دقائق إضافية من التواصل مع العائلة، أو
فرصة لتلقّي تحذير من هجوم جوي، أو إمكانية طلب المساعدة قبل أن تنقطع الشبكة.
وهكذا يتحوّل الهاتف المحمول من جهاز نستخدمه باستمرار دون تفكير إلى وسيلة ترتبط
بها مشاعر القلق والانتظار والأمان.
البطارية الأخيرة... حين يصبح الاتصال مسألة أمان
تخيّل مدنيًا أوكرانيًا يقضي ساعات
في منزل غارق في الظلام، لا يستطيع تشغيل الإنارة أو شحن هاتفه، فيما تتوالى
التحذيرات من هجمات محتملة. يتفحّص شاشة جهازه، يخفض سطوعها ويغلق التطبيقات غير
الضرورية، محاولًا الحفاظ على ما تبقّى من الطاقة. لا يفعل ذلك لتوفير المال أو
لإطالة وقت الترفيه، بل لأنه لا يعرف متى سيتمكن من شحن هاتفه مجددًا.
هذا المشهد يختصر جانبًا من
المعاناة اليومية التي تفرضها انقطاعات الكهرباء على المدنيين في أوكرانيا.
فالهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة قد تحرم المنازل من الإنارة والتدفئة، وتؤثر في
وسائل الاتصال والخدمات الأساسية، خصوصًا خلال فترات البرد القارس. وقد وثّقت تقارير صحفية آثار انقطاع الكهرباء في مدن أوكرانية، بما في ذلك انتظار السكان
للحصول على الطاقة والدفء.
ولا يقتصر أثر انقطاع الكهرباء على تعطل الأجهزة المنزلية؛ فالهاتف الذي يعتمد عليه الفرد لمتابعة الأخبار والاطمئنان على عائلته يصبح بدوره مهددًا بفقدان الطاقة. ومع تراجع نسبة الشحن، يتصاعد القلق: هل ستصل الرسالة الأخيرة؟ هل سيتمكن صاحب الهاتف من الاتصال بأحد إذا ساءت الأوضاع؟ في هذه الظروف، لا تُقاس قيمة البطارية بعدد الساعات التي تسمح باستخدام الهاتف، بل بما قد تتيحه من فرص للتواصل والوصول إلى المعلومات.
![]() |
كييف تنتقل إلى وضع البقاء على قيد الحياة World PBS - |
رسالة لا تصل... أثر انقطاع
الاتصال في العلاقات الإنسانية
خلف كل رسالة لا تصل، قد تختبئ
عائلة تنتظر خبرًا يبدّد خوفها. فالحرب لا تفصل الناس بالمسافات الجغرافية وحدها،
بل قد تفصل بينهم أيضًا أعطال الشبكات وانقطاع الطاقة، ولا سيما عندما يعيش أفراد
الأسرة في مدن مختلفة أو يلجأ بعضهم إلى مناطق أكثر أمانًا.
بالنسبة إلى أم تحاول الاطمئنان على
ابنها، أو شخص ينتظر اتصالًا من أحد والديه، قد تتحوّل ساعات الصمت إلى مساحة
مفتوحة للتخمين والخوف. هل الهاتف مغلق لأن البطارية نفدت؟ هل تعطلت الشبكة؟ أم أن
صاحبه لا يستطيع الوصول إلى مكان آمن؟ لا يعني غياب الاتصال بالضرورة وقوع مكروه،
لكنه في سياق الحرب يترك مجالًا واسعًا للقلق.
كما أن انقطاع الإنترنت قد يحرم
العائلات من مكالمات الفيديو والرسائل الفورية التي أصبحت وسيلة أساسية للتواصل
اليومي. فالهاتف لا ينقل الكلمات والصور فقط، بل يحمل أيضًا الطمأنينة؛ وقد تكون
رسالة قصيرة تقول «أنا بخير» كافية لتخفيف ساعات من الخوف.
عندما تنطفئ
الكهرباء، هل تنقطع الاتصالات؟
قد تنطفئ المصابيح في المنزل، لكن
ذلك لا يعني بالضرورة أن الهاتف سيفقد الاتصال بالشبكة فورًا. فمحطات الاتصالات
تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل معداتها، غير أن شركات الاتصالات تعتمد على البطاريات
الاحتياطية والمولدات الكهربائية للحفاظ على الخدمات أثناء الانقطاعات.
بحسب تقرير إذاعة أوكرانيا الوطنية المنشور في 9 مارس 2026، تستطيع نحو 92% من محطات الاتصالات الأساسية العمل بالبطاريات لمدة تصل إلى ثماني ساعات، فيما كانت 45% منها قادرة على مواصلة العمل لأكثر من ثلاثة أيام بفضل المولدات، وفق البيانات التي نقلها التقرير.
لكن هذه الحلول لا تضمن اتصالًا
دائمًا. فعندما تطول الانقطاعات، أو تتعطل المعدات، أو يتعذر تزويد المولدات
بالوقود، قد تتراجع جودة الشبكة أو تتوقف بعض المحطات عن العمل. وقد يؤدي تزامن
استخدام أعداد كبيرة من الأشخاص للشبكة إلى زيادة الضغط عليها أيضًا.
وتكمن المفارقة في أن الهاتف قد
يحتفظ ببطاريته، بينما يفقد القدرة على الاتصال بسبب تعطل البنية التحتية المحيطة
به. لذلك، فإن ضمان التواصل لا يعتمد على شحن الجهاز وحده، بل على منظومة متكاملة
من الطاقة والاتصالات والصيانة.
الهاتف بين طلب المساعدة والوصول إلى المعلومات
خلال الحرب، لم يعد الهاتف المحمول
مجرد وسيلة لمتابعة الأخبار، بل أصبح بوابة للوصول إلى التحذيرات من الهجمات
الجوية والتعليمات الرسمية، والتواصل مع فرق الطوارئ، وتحديد المواقع، ومشاركة
المعلومات الضرورية مع أفراد العائلة.
وتكتسب هذه الوظائف أهمية خاصة
عندما يضطر المدنيون إلى مغادرة منازلهم أو البحث عن أماكن أكثر أمانًا. فالهاتف
المتصل بالإنترنت قد يساعد على معرفة المستجدات أو الوصول إلى معلومات عن الخدمات
المتاحة، كما تتيح المكالمات والرسائل طلب المساعدة عند الحاجة.
غير أن الاعتماد على التكنولوجيا له
حدود واضحة. فتلقّي التحذيرات يحتاج إلى جهاز مشحون وقناة اتصال متاحة، كما أن
تحديد الموقع أو فتح الخرائط لا يضمنان الحصول على معلومات محدثة إذا انقطع
الإنترنت. وحتى المكالمات الهاتفية قد تتعذر عندما تتضرر الشبكة أو تتعرض لضغط
كبير.
لهذا السبب، لا يمكن التعامل مع
الهاتف بوصفه ضمانًا مطلقًا للسلامة. فهو أداة مهمة، لكن فاعليته ترتبط بسلامة
الشبكات وتوافر الطاقة ودقة المعلومات التي تصل إلى المستخدم. ومن هنا تبرز أهمية
تعدد مصادر المعلومات، والاحتفاظ بأرقام الطوارئ الضرورية، واتباع التعليمات
الصادرة عن الجهات الرسمية.
البحث عن الشحن... واقع اجتماعي جديد
عندما تعجز المنازل عن توفير
الكهرباء، يصبح البحث عن مقبس للشحن جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. وقد اضطر
مدنيون أوكرانيون إلى التوجه نحو مراكز عامة تُعرف باسم «نقاط الصمود»، حيث يمكنهم
شحن هواتفهم، والحصول على الدفء، والاستفادة من بعض الخدمات الأساسية.
في تقرير مصوّر لوكالة رويترز من
مدينة تشيرنيهيف بتاريخ 21 أكتوبر 2025، ظهرت مشاهد لمدنيين يستخدمون هذه المراكز
لشحن أجهزتهم وسط انقطاع الكهرباء. ونقلت الوكالة شهادة مربية أطفال أوكرانية
تُدعى نينا ديميتريتس، تحدثت فيها عن صعوبة العثور على مكان لشحن هاتفها بسبب
ازدحام المركز.
تكشف هذه المشاهد أن أزمة الطاقة لا تتعلق بالأجهزة وحدها، بل تؤثر في تنظيم الحياة اليومية. فالتوجه إلى مركز شحن قد يتطلب وقتًا وجهدًا، وقد يضطر الشخص إلى الانتظار أو التنقل في ظروف صعبة. كما أن الحاجة إلى الكهرباء والدفء والإنترنت تجعل هذه المراكز فضاءات يلتقي فيها أشخاص تجمعهم ظروف استثنائية.
ولا تتوزع القدرة على التكيّف مع
الأزمة بالتساوي. فامتلاك بطارية احتياطية أو مولّد منزلي أو سيارة يمكن أن يسهّل
الحفاظ على الاتصال، في حين يواجه آخرون صعوبات أكبر بسبب محدودية الموارد أو
صعوبة الوصول إلى المراكز العامة. وفي المقابل، يبرز التضامن المجتمعي من خلال
تقاسم مصادر الطاقة ومساعدة الجيران وتوفير أماكن يمكن فيها شحن الأجهزة.
عندما تعود الكهرباء، هل يعود الأمان؟
عودة الكهرباء تعني استعادة بعض
مظاهر الحياة الطبيعية: إنارة المنازل، وشحن الهواتف، وتشغيل الأجهزة، والقدرة على
استخدام الإنترنت بصورة أفضل. لكنها لا تعني بالضرورة انتهاء القلق الذي تتركه
الانقطاعات المتكررة.
فبعد ساعات أو أيام من انقطاع
الاتصال، قد يحتاج الإنسان إلى وقت للاطمئنان على أفراد عائلته، والتحقق من
الرسائل التي لم تصله، ومعرفة ما حدث خلال فترة الصمت. وقد تظل المخاوف قائمة حتى
بعد عودة الشبكة، خصوصًا عندما تستمر الهجمات أو يبقى احتمال انقطاع الكهرباء
مجددًا قائمًا.
ومن الحلول الممكنة الاحتفاظ
ببطارية احتياطية مشحونة، وتوفير وسائل بديلة للإضاءة، وحفظ أرقام الطوارئ
والمعلومات المهمة دون اتصال بالإنترنت، والاتفاق مسبقًا مع أفراد العائلة على
طريقة للتواصل أو نقطة للالتقاء إذا تعذرت الاتصالات. كما يتطلب الحد من آثار الأزمة
تعزيز استقلالية شبكات الاتصالات عن الكهرباء، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة
الاحتياطية، وضمان استمرار عمل المراكز العامة التي توفر الشحن والإنترنت والمأوى.
قد تبدأ الحكاية ببطارية وصلت إلى آخر نسبة من الشحن، لكنها تكشف واقعًا أوسع يعيشه المدنيون في ظل الحرب الروسية الأوكرانية. فحين تنقطع الكهرباء، لا يتوقف الضوء وحده؛ قد تتعطل معه وسائل التواصل، وتتزايد المخاوف، ويصبح الوصول إلى المعلومة أو إرسال رسالة قصيرة تحديًا يوميًا.
لقد منح الهاتف المحمول الإنسان
قدرة غير مسبوقة على التواصل والوصول إلى المعلومات، لكنه أظهر أيضًا مدى ارتباط
الحياة الحديثة ببنية تحتية قد تتعرض للتعطل في أي لحظة. وبين البطاريات
الاحتياطية والمولدات ومراكز الشحن والتضامن المجتمعي، يحاول المدنيون الحفاظ على
خيط يربطهم بالعالم الخارجي.
في الحرب، لا تكون قيمة الهاتف فيما
يحتويه من تطبيقات، بل فيما يستطيع أن يحمله من رسالة تطمئن قلبًا قلقًا: «أنا
بخير، ما زلت هنا».
شاهد الملخص الإخباري



Commentaires
Enregistrer un commentaire