إيران والخليج في الميزان التونسي: لماذا تتفوق لغة المال على ضجيج السياسة؟
عمل صحفي لـ: عفاف الغربي
كثرت في السنوات الأخيرة النقاشات السياسية التي طرحت فكرة الانفتاح وتنويع الشركاء. وتتصدر أخبار التقارب مع طهران العناوين أحيانا كطوق نجاة اقتصادية، إلى جانب الصين وروسيا. و بعيدا عن الخطابات الحماسية وخلف شاشات البورصة وحسابات المصارف، تتحدث الأرقام لغة مختلفة تماماً. هذه اللغة تلامس جيب المواطن التونسي بامتياز، وقفة العائلة، ومستقبل الشباب، واستقرار العملة الوطنية.
تونس وطهران: حين يصطدم الحلم بجدار العقوبات وجغرافيا المصالح
إذا ما نظرنا إلى واقع العلاقات التونسية الإيرانية، فسنجد فجوة هائلة بين الطموح والواقع فبالرغم من وجود اتفاقات لخفض المعاليم الديوانية التي تعود إلى سنة 2007 ، إلا أنها ظلت حبراً على ورق. الحقيقة الصادمة هي أن حجم التبادل التجاري الرسمي لا يتجاوز 200 مليون دولار سنويا. هذا الرقم متواضع جدا ولا يكاد يُذكر في ميزانية دولة تبحث عن إنعاش اقتصادها
وخلف هذا الركود تقف عوائق عديدة، مثل غياب الرحلات الجوية المباشرة، وتعطل التعاون البنكي والمالي بسبب العقوبات الدولية. هذه العقوبات تجعل أي تعامل مع طهران مغامرة قانونية غير محسوبة العواقب. ويذهب البعض إلى أن العلاقة مع إيران هي مجرد ورقة ضغط سياسية تستخدمها تونس في مفاوضاتها مع الغرب، وليست إستراتيجية بناء حقيقية. بل يقتصر الدور الإيراني على خطاب سياسي طموح.
الخليج: شريان الحياة اليومي للتونسيين
في المقابل، تبدو الصورة مغايرة تماما وتنبض بالحياة والديناميكية. فهنا لا نتحدث عن وعود وطموح، بل عن حقائق يلمسها التونسيون في حياتهم اليومية. بين عامي 2013 و2022، استحوذت دول الخليج (بقيادة قطر والإمارات) مع الاتحاد الأوروبي على 84% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات حيوية كالمال والتكنولوجيا والعقارات.
هذا الثقل المالي ليس مجرد أرقام في البنك المركزي، بل هو عائلات بعشرات الآلاف تعيش منها في دول التعاون الخليجي وأوروبا. حيث يرسل 40% من التونسيين المقيمين في الخليج تحويلات مالية منتظمة لعائلاتهم. هذه النسبة تفوق بكثير نظيرتها لدى المهاجرين في أمريكا الشمالية (17%).وهذه الأموال هي التي تبني البيوت، وتدفع مصاريف المدارس والصحة واللباس، وتنعش بالتالي الأسواق المحلية.
أين تميل الكفة؟ إذا وضعنا الثقلين في ميزان الواقع، ستجدون الإجابة مجسمة في هذه الصورة الجرافيك التي توضح لكم بالتفاصيل والأرقام
دول التعاون الخليجي : سند عند الشدائد
أكثر من مجرد أرقام لا يختزل التونسيون علاقتهم بالخليج في كشوفات الحسابات البنكية فحسب، بل في تلك اللحظات الفارقة التي احتاجت فيها البلاد إلى “متنفس” اقتصادي حقيقي. ففي مؤتمرات الاستثمار الكبرى مثلاً، لم تكن الـ 14 مليار دولار (بين قروض ومنح واستثمارات) مجرد حبر على ورق، بل كانت رسالة طمأنة للسوق التونسية وآلاف العمال والموظفين في مشاريع حيوية.
ثم أن التونسي لا ينسى أبداً الدعم الصحي الكبير الذّي قدّم له في فترة جائحة كورونا. فقد توافدت عشرات الطائرات محملة بالأدوات الطبية والأوكسجين والمستشفيات الميدانية الجاهزة إلى جانب الكم الهائل من التلاقيح على تونس من دول مثل السعودية وقطر والإمارات وغيرها. هذا الدعم المادي القويّ هو ما ميز الشريك الخليجي كظهير اقتصادي يتدخل بفعالية في وقت الأزمات، خلافا لوعود دول أخرى التي تبخرت قبل أن تصبح واقعا.
المقارنة الحقيقية: أين تميل كفة الواقع؟
إذا وضعنا الثقلين الايراني والخليجي في ميزان الحقيقة بعيداً عن الخطاب العاطفي، فإن التفوق الخليجي لا يعني اختياراً، بل واقعاً يفرض نفسه على المستثمر على ثلاث محاور واضحة:
نبض الاستثمار: فيما يعاني العلاقة مع إيران من “شبه انعدام” استثماري ملموس، يحتل الخليج مع الشريك الأوروبي 84% من الاستثمارات الأجنبية. وهذا يعني ببساطة: مكاتب مفتوحة، شباب تونسي يجد فرصة عمل، اقتصاد يعمل.
جسور حية لا تنقطع: تفصل بين تونس والخليج يومياً عشرات الرحلات الجوية التي تحمل أحلام المسافرين والبضائع والفرص، بينما تبدو طهران “جزيرة معزولة” جغرافيا ولوجستيا؛ فلا طائرة تحط ولا باخرة ترسو بانتظام، ما يجعل التواصل معها عبئا لا ميزة.
ملاذ آمن أم حقل ألغام؟: يدرك كلّ من المستثمر التونسي ورجل الأعمال أن الشراكة الخليجية تتحرك في “منطقة خضراء” سليمة ومضمونة قانونياً، بعيدة عن التعقيدات الرقابية الدولية. أما العلاقة مع إيران، فمن المرجح أن يشعر المستثمر التونسي من حلالها بأن التعاون مع الجانب الايراني محفوف بالألغام القانونية والعقوبات الدولية.
أخيراً، وبعيداً عن متاهات الحرب وساحة المعركة، وعن ثنائية الحق والباطل
كان موقف تونس من هذه الحرب متوازنا ومتناسقا مع ما تقتضيه مصلحة البلاد، ومراعيا للعلاقات التاريخية الجيدة مع دول التعاون الخليجي. هذه الدول تمثل عمقا اقتصاديا محوريا في تونس، رغم ما يتردد من مواقف دول الخليج حول قبولهم بوجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، إذ تعتبر تونس أنّ هذه المسألة تبقى شأنا داخليا خليجيا
في المحصلة يمكننا أن نخلص إلى أن الأرقام لا تكذب ولا تجامل. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق فرص عمل، ويؤمن تحويلات المغتربين، ويوفر السيولة في وقت الأزمات. وفي هذا السياق، يبدو أن الواقع الاقتصادي قد حسم النتيجة بعيداً عن الخطابات الرنانة واللغة الخشبية
Commentaires
Enregistrer un commentaire