جزر خارج الرقابة: من فضائح النخب إلى السجون المعزولة

 

عمل صحفي لـ : تيسير الفرشيشي 

تمثل الجزر أماكن للراحة والسياحة والهدوء غير أن قراءة التاريخ الحديث تكشف صورة مختلفة تماما فقد تحولت بعض الجزر في لحظات مختلفة من التاريخ إلى مسارح لفضائح سياسية وشبكات استغلال أو حتى أحداث مأساوية هزّت الرأي العام العالمي.

من الكاريبي إلى المحيط الهادئ ومن البحر المتوسط إلى الأطلسي تظهر حالات متباعدة جغرافيًا لكنها تتشابه في شيء أساسي وهو "العزلة "فالمكان الذي تحيطه المياه من كل الجهات يمنح درجة من الانفصال عن العالم وهي خاصية جعلت الجزر عبر التاريخ مواقع مثالية للأنشطة التي تحتاج إلى السرية أو السيطرة الكاملة.

أعادت قضية رجل الأعمال الأمريكي جفري ابستسن Jeffrey Epstein  تسليط الضوء على هذه الظاهرة عندما تحولت جزيرته الخاصة في الكاريبي إلى رمز عالمي للفضائح المرتبطة بالنفوذ والمال غير أن هذه القصة لم تكن حالة منفردة إذ تكشف قراءة عدد من القضايا التي وثقتها الصحافة  عبر عقود عن نمط متكرر من الفضائح و التجاوزات في الجزر عبر العالم

الجزر كمساحات مغلقة للاستغلال الجنسي و فضاءات للنخب والسلطة خارج الرقابة

الكثير من القضايا التي ربطت الجزر بالفضائح في العقود الأخيرة تتعلق بجرائم الاستغلال الجنسي خصوصًا عندما تكون الجزر ملكية خاصة أو أماكن يصعب الوصول إليها و القضية الأكثر شهرة في الآونة الاخيرة بلا شك هي جزيرة ليتل سانت جميس  Little Saint James التي اشتراها رجل الأعمال الأمريكي جفري ابستين في أواخر التسعينيات داخل أراضي الجزر العذراء  U.S. Virgin Islands
تحقيقات السلطات الأمريكية وشهادات الضحايا كشفت لاحقًا أن الجزيرة كانت تُستخدم ضمن شبكة لاستغلال قاصرات حيث كانت فتيات يُنقلن إلى المكان عبر طائرات خاصة وقد أدينت شريكته البريطانية Ghislaine Maxwell لاحقًا بتهم تتعلق بالاتجار الجنسي.

لكن ما جعل القضية استثنائية لم يكن الجريمة فقط بل شبكة العلاقات التي أحاطت بإبستين إذ كان يستقبل شخصيات نافذة من عالم المال والسياسة ولم يقتصر ملف هذه الجزيرة على الفضائح الجنسية فقط بل شمل قضايا اكثرا تعقيدا منها اكل البشر مازالت هذه المعلومة غير مثبتة لكنها انتشرت كثيرا على مواقع التواصل الاجتماعي في انتظار تحقيق رسمي

وفي المحيط الهادئ  عام 2004 شهدت جزر Pitcairn Islands التي تقع في جنوب المحيط الهادئ بين نيوزيلندا وأمريكا الجنوبي. محاكمة تاريخية لعدد من سكانها بعد اتهامات بوقوع اعتداءات جنسية على قاصرات واجه سبعة رجال من سكان الجزيرة من بينهم عمدة الجزيرة عشرات التهم بالاعتداء الجنسي على قاصرات وقد مثل المتهمون آنذاك نحو ثلث الرجال البالغين في المجتمع الصغير للجزيرة وكشفت التحقيقات أن الاعتداءات استمرت لسنوات طويلة وأن بعض الفتيات تعرضن للعنف الجنسي منذ سن مبكرة جداكانت القضية صادمة خاصة و ان معظم الفتيات  في الجزيرة أنجبن طفلهن الأول بين سن 12 و15 عاما  و لم تكن الجرائم مرتبطة بشخص واحد بل بثقافة اجتماعية سمحت باستمرارها في مجتمع معزول

لا تقتصر ظاهرة “الجزر المثيرة للجدل” على الجرائم الجنسية بل ترتبط ايضا  بعالم السياسة والنخب الاقتصادية.

امتلاك جزيرة خاصة أصبح خلال العقود الأخيرة رمزًا للثروة الفائقة كثير من المليارديرات حول العالم يشترون جزرًا في الكاريبي أو المحيط الهادئ أو البحر المتوسط لتحويلها إلى منتجعات خاصة مغلقة

لكن هذه الخصوصية المطلقة قد تتحول أحيانًا إلى مشكلة عندما تصبح الجزيرة مساحة لا تخضع تقريبًا لأي رقابة.

في حالة إبستين مثلًا تحولت الجزيرة إلى موقع يجمع رجال أعمال وسياسيين وشخصيات نافذة من دول مختلفة هذا التداخل بين المال والسياسة جعل التحقيق في القضية موضوعًا عالميًا وفتح نقاشًا واسعًا حول حدود الخصوصية عندما يمتلك الأفراد مساحات جغرافية كاملة   ظهرت قضايا أخرى مثيرة للراي العام مثل الجدل الذي أثاره كتاب The Lost Boys of Bird Island حول مزاعم باستغلال أطفال في جزيرة Bird Island خلال فترة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وهو ملف ظل مثيرًا للجدل الإعلامي والسياسي أثار جدلاً كبيرًا في جنوب أفريقيا خاصة مع التشكيك في بعض الأدلة الواردة في الكتاب وهو في الاصل تعاون بين الصحفي كريس ستاين وعميل المخدرات السري السابق مارك أنتوني داويد ميني يقارنان فيه الملاحظات ليقدما قصة صادمة عن جريمة عصر الفصل العنصري والتغطيات والتواطؤ الرسمي  لاصحاب السلط في اغتصاب وقتل الأطفال .

 جزر كأدوات للقمع السياسي والسجون المعزولة

النمط  الثالث الذي يتكرر في تاريخ الجزر هو استخدامها كأماكن للسجون السياسية أو القمع.

منذ قرون استخدمت الحكومات الجزر كأماكن لعزل المعارضين أو السجناء بعيدًا عن المدن فالعزلة الطبيعية للمياه تجعل الهروب شبه مستحيل وتمنح السلطات قدرة كاملة على التحكم في المكان.

من أشهر هذه الأمثلة جزيرة Robben Island قبالة سواحل كيب تاون التي استخدمها نظام الفصل العنصري كسجن للمعارضين السياسيين كان من أبرز سجناء الجزيرة الزعيم الجنوب أفريقي نلسون موندلا Nelson Mandela الذي قضى فيها 18 عامًا من سجنه الطويل.

وفي الولايات المتحدة أصبحت جزيرة Alcatraz Island رمزًا للسجون عالية الحراسة حيث احتجزت السلطات أخطر السجناء بين 1934 و1963 مستفيدة من العزلة الطبيعية للمياه الباردة والتيارات القوية حول الجزير.

أما في أوروبا الشرقية فقد تحولت جزيرة Goli Otok خلال الحقبة اليوغوسلافية إلى معسكر اعتقال سياسي سيئ السمعة استخدمه نظام Josip Broz Tito لاحتجاز المعارضين بعد الحرب العالمية الثانية.

وفي المحيط الهندي أثارت جزيرة Diego Garcia جدلًا دوليًا بعد تقارير تحدثت عن استخدامها في برنامج الترحيل السري للمشتبه فيهم بالإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبرفي هذه الحالات لم تكن الجزر مجرد مواقع جغرافية بل أدوات للسيطرة السياسية والعسكرية

في النهاية تكشف هذه الحالات أن الجزر ليست مجرد مواقع جغرافية جميلة معزولة وسط البحار بل يمكن أن تتحول في ظروف معينة إلى مساحات مغلقة تتداخل فيها السلطة والمال والعزلة فالعامل الجغرافي الذي يمنح هذه الأماكن سحرها وخصوصيتها قد يمنح في الوقت نفسه فرصًا لإخفاء الممارسات غير القانونية أو ممارسة السلطة بعيدًا عن أعين الرقابة وبين فضائح الاستغلال الجنسي وقضايا النخب السياسية والسجون المعزولة يظهر نمط متكرر عبر التاريخ كلما ازدادت العزلة الجغرافية ضعفت الرقابة ولهذا تظل هذه الجزر مثالًا واضحًا على أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية للأحداث بل قد تكون في حد ذاتها عاملًا مؤثرًا في صنعها.

 

 


 

 

Commentaires